اسماعيل بن محمد القونوي
251
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
إلى ما لو لم يعتبر الحذف وأن الحذف لما كان أبلغ كانت المبالغة في المشبه به أكثر والتطابق بين التمثيلين أوفر فيمكن دفعه بأن كون الحذف أبلغ مقيد بكون المقام مقام الحذف وهنا ليس كذلك إذ المقام يقتضي إشباع الكلام في بيان حال المشبه به حتى يعرف به حال المشبه فالمقام مقام الذكر والمصير إلى خلافه يخل بالفصاحة . قوله : ( إسناد الإذهاب إلى اللّه تعالى ) هذا حاصل المعنى فإنه ليس إسناد الإذهاب قوله : وإسناد الإذهاب إلى اللّه تعالى الخ يريد أن الإسناد فيه يجوز أن يكون حقيقيا بناء على أن جميع ما في العالم ذاتا وصفة وحالا وفعلا إنما هو بفعله أي بخلقه وإيجاده أو مجازيا من باب الإسناد إلى السبب نحو هزم الأمير الجند والهازم أعوانه وأنصاره بأمره وإرادته أو الإسناد إليه تعالى للمبالغة فإن الفعل الصادر عن الملك القوي القاهر لا يكون إلا قويا في غاية القوة وعلى هذا يكون الإسناد كما في الوجه الأول حقيقيا لكن النكتة هنا غير النكتة هناك فللتغاير في الجهة جاز عطفه عليه بأو والمعتزلة لما أبوا إسناد القبائح إلى اللّه تعالى وذهبوا بوجوب الأصلح للبعيد عليه تعالى وإذهاب نور العبد قبيح لم يجوزوا جعل الإسناد هنا حقيقيا فجعلوه مجازا من باب الإسناد إلى السبب إلا أن يكون المراد من النار نار الفتنة وهي نار مجازية أو نارا يتوصل بها إلى المعصية وهي نار حقيقية فإنهم جعلوا الإسناد حينئذ حقيقيا لأن إطفاء نار الفتنة أو تلك النار المتوصل بها إلى المعاصي حسن واصلح للعبد ولذا قال صاحب الكشاف فإن قلت فما معنى إسناد الفعل إلى اللّه تعالى في قوله : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة : 17 ] قلت إذا طفئت النار بسبب سماوي ريح أو مطر فقد اطفأها اللّه وذهب بنور المستوقد ووجه آخر وهو أن يكون المستوقد في هذا الوجه مستوقد نار لا يرضاها اللّه ثم إما أن تكون نارا مجازية كنار الفتنة والعداوة للإسلام وتلك النار متقاصرة مدة اشتعالها قليلة البقاء ألا ترى إلى قوله تعالى : كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [ المائدة : 64 ] وإما نارا حقيقية أوقدها الغواة ليتوصلوا بالاستضاءة بها إلى بعض المعاصي ويتهدوا بها في طرف العبث فأطفأها اللّه وخيب أمانيهم قال الطيبي دلت الفاء في قوله فما معنى على انكار أن يكون ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة : 17 ] جواب لما يعني إنما جاز إسناد إذهاب نور المنافقين إلى اللّه لا جزاء لفعلهم وأما إسناد إذهاب نور المستوقدين فلا يجوز لأنه عبث وهو قبيح وهو بناء على مذهبه وقال الفاضل أكمل الدين والظاهر أن الإنكار إنما هو من جعل ما للاستفهام بمعنى الإنكار لأن الأليق والأنسب أن يكون للسؤال وأما دلالة الفاء عليه فليست بمعهودة والرازي جعلها جوابا لشرط محذوف أي إذا كان ذهب اللّه بنورهم جواب فما معنى إسناد الإذهاب إلى اللّه تعالى وهو عبث وح يكون ما للانكار وللاستفهام والطيبي لا يستغني عن ذكر الشرط ظاهرا هذا وإذا كان المراد بالنار نار الفتنة يتداخل التشبيه والمجاز في جملة هذا التمثيل بأن ادخل الاستعارة في طرف المشبه به وهو مثل الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً [ البقرة : 17 ] كما ادخل التشبيه في الاستعارة في قوله : كان أذني قلبه خطلا وحيث جعل التشبيه فيه ترشيحا للاستعارة أي الاستعارة لفظ الخمار للقلب لكن هذه استعارة بالكناية وما نحن فيه استعارة تصريحية وذكر الاستيقاد والإضاءة ترشيح شبه الفتن والحروب بالنار وتهييجا بالاستيقاد فاستعير لفظ المشبه به وهو لفظ النار للمشبه ثم أثبت ما هو ملائم النار ولازمها وهو الاستيقاد والإضاءة ترشيح للاستعارة كما في قوله لدي أسد شاكي السلاح مقذف له ليد أظفاره لم تقلم .